2017-03-13
رام الله
دولة رئيس الوزراء
الدكتور رامي الحمد الله المحترم
تحية طيبة وبعد،
الموضوع: مشروع قرار بقانون معدل لقانون المحكمة الدستورية العليا والصادر في جلسة مجلس الوزراء الموقر رقم 134 تاريخ 10/1/2017 تحت عنوان مشاريع القوانين والأنظمة واللوائح التنفيذية (عرض أول)
يهديكم المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء "مساواة" بصفته هيئة أهلية مستقلة، قانونية، مهنية وحيادية، أطيب التحيات، وبالإشارة إلى الموضوع أعلاه، فإننا في المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء "مساواة" وبعد أن وقفنا بإمعان شديد على المشروع المذكور، ومن قبله على النسخة الأولى من ذات المشروع، والمحال إلى حكومتكم الموقرة أواخر تموز الماضي من قبل رئيس المحكمة الدستورية العليا، حيث تولى مجلس الوزراء الموقر الوقوف عليها منتهياً إلى إصدار قرار في جلسته رقم 134 تاريخ 10/1/2017، يقضي بإحالة الصيغة التالية للصيغة الأولى من مشروع قرار بقانون معدل لقانون المحكمة الدستورية إلى السادة الوزراء للإطلاع عليها، وابداء الرأي بشأنها تمهيداً لاقرارها ومن ثم رفعه إلى السيد الرئيس للإصدار.
واللافت أن مجلسكم الموقر أرفق في المشروع ما سمي بمذكرته الايضاحية، والتي تقع على صفحة ونيف مذيلة بتوقيع رئيس المحكمة الدستورية العليا.
وبالنظر لما ورد فيها من محتوى، ونصوص تنطوي على مخاطر جدية من الزاوية القانونية على أسس وقواعد الحكم الديمقراطي الرشيد، وعلى الدور المنتظر تأديته من قبل المحكمة الدستورية العليا.
ونشير ابتداءً إلى ما استُهلت المذكرة به من قول رئيس المحكمة الدستورية العليا (تتقدم المحكمة الدستورية العليا في فلسطين بالتقدير والاحترام لدولة رئيس مجلس الوزراء الموقر وتثمن عالياً دعم دولتكم للمحكمة الدستورية العليا والتي أنشئت لأول مرة في فلسطين باعتبارها أعلى هيئة قضائية في النظام القضائي الفلسطيني) ولنا في هذا ملاحظة أساسية: أليس من الغريب، بل والمخالف لبديهيات المبادئ الدستورية الواردة في القانون الأساسي، أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا أو المحكمة الدستورية العليا تقديم مشروع قرار بقانون معدل لقانونها، بتجاوز لما أرساه القانون الأساسي من أحكام ونصوص وإجراءات تحدد الجهات ذات الاختصاص في اقتراح مشاريع القوانين، والاجراءات والضوابط الناظمة لإصدار القرارات بقوانين، والتي ليس من بينها أي حكم أو نص يمنح المحكمة الدستورية أو مجلس القضاء الأعلى صلاحية اقتراح أو إحالة مشاريع قوانين معدلة للقوانين الناظمة لهما، إذ ماذا لو أريد الطعن بعدم دستورية القرار بقانون أو القانون الصادر استناداً إلى مشروع مقدم من المحكمة الدستورية، هل نبحث عن محكمة دستورية عليا أخرى للنظر والفصل في مثل هذا الطعن؟! سيما وأنه من غير المتصور عقلاً أو منطقاً أو قانوناً أن تصدر المحكمة الدستورية العليا حكما يناقض رأيها، ناهيك عن عدم صلاحيتها للنظر في طعن يتصل بقرار أو مقترح صادر عنها، ويستحضرنا في هذا المقام النظام القانوني البائد والذي كان يقضي بفرض عقوبة العقاب الجسدي على ظل (خيال) المجرم، إذا كان ينتمي إلى الأسرة الحاكمة، وكان يدعي الجمهور لحضور وقائع تنفيذ الحكم في الظل (الخيال) تعبيراً عن إرادة النظام في تطبيق القانون على الكاف،وعلى طريقته!
وقد تضمنت المذكرة الايضاحية بعد هذا الثناء تبرير مقترحها (مشروع قرار بقانون معدل لقانونها) بحسن سير العمل في المحكمة باعتبارها محكمة متميزة (وفقاً لما ورد حرفيا فيها)، وأسوةً بما هو جاري العمل به في المحاكم الدستورية في الدول الشقيقة وفقاً لفهمها له، مضيفة أن بعض التعديلات المقترحة تتعلق بالرواتب، ومدة الخدمة لأعضاء المحكمة الدستورية، باتجاه كما هو واضح بجلاء من سياق المذكرة تميزها وزيادتها وعلوها عن سائر الرواتب والامتيازات المالية للقضاة، وسائر مشغلي الوظائف في منظومة العدالة، بل وفي الحكومة والدولة ايضا، والسبب في ذلك وفقا لما ورد في المذكرة أن اعضاءها قضاة وأساتذة جامعات ومحامين تركوا اعمالهم وانفصلوا عن مؤسساتهم وفقدوا حقوقهم كونهم –على حد تعبير المذكرة- قدموا استقالاتهم من تلك المؤسسات،!! لذلك ووفقا للمذكرة تم اقتراح مدة عشرين عاماً كمدة تحتسب لغايات الراتب، والذي يرد حده الابتدائي في لائحة خاصة أُرفقت كملحق خاص بجدول الرواتب والعلاوات والبدلات لرئيس وأعضاء المحكمة بالدولار الامريكي، أرفق مع المشروع كجزء لا يتجزأ منه، تضمن أن راتب رئيسها الشهري دون احتساب السنوات العشرين (4650 دولار) ونائبه (4206 دولار) وعضو المحكمة (4106 دولار)، بمعنى أن كل واحد منهم يتقاضى الراتب المشار إليه مع احتساب عشرين سنه خدمة، منذ اليوم الأول لتعيينه! طبعا مع عدم الإجحاف بالحقوق الخاصة بهم اذا ما انتقلو من سلك القضاء للعمل في المحكمة الدستورية العليا وفقاً للمذكرة والنصوص المقترحة.
كما أوردت المذكرة تبريرات لتعديلات أخرى لم يأخذ في جلها مجلس الوزراء، وبخاصة تلك المتعلقة باختصاصات المحكمة الدستورية العليا، والتي جاءت بذريعة تحقيق المصلحة العامة،! من وجهة نظر رئيس المحكمة الدستورية المذيلة المذكرة الايضاحية بتوقيعه.
وما ورد أعلاه يشير إلى أن الباعث الرئيس لتعديل قانون المحكمة الدستورية العليا هو البحث عن امتيازات ورواتب ليس أكثر وليس أبعد من ذلك؟! والسؤال: أهذا سبب كاف يوفر شروط ومحددات إعمال المادة 43 لاصدار قرار بقانون معدل لقانون المحكمة الدستورية العليا بناءً على اقتراح من رئيسها؟!
وإذا ما تجاوزنا الهنات والنواقص والثغرات والمخاطر التي انطوى عليها المقترح في صيغته الأولى (تموز 2016)، وقصرنا البحث على الصيغة المعتمدة كعرض أول للمشروع، والصادر عن مجلس الوزراء، والمستند إلى ذات المذكرة الايضاحية المشار إليها أعلاه، وذات الملحق الخاص بالرواتب، والمتضمن لنصوص أخرى تتضمن امتيازات أخرى غير تلك المبينة أعلاه!
ومع تأكيدنا على معارضة مؤسسات المجتمع المدني للإفراط في إصدار تشريعات بقرارات بقوانين، أو بقوانين تصدر عن أعضاء في المجلس التشريعي في غزة، لتعارض ذلك مع مبدأ الفصل بين السلطات، وهو السمة الرئيسة لدولة القانون والحكم الرشيد، ولتناقضها مع طبيعة النظام السياسي الذي أرساه القانون الأساسي الفلسطيني، ومن قبله إعلان الاستقلال لعام 1988، ودون أن يعتبر تناولنا لما ورد في المشروع من محتوى تنازلاً عن موقفنا هذا، وفي إطار دورنا في الرقابة على العملية التشريعية دون أن نكون جزءاً منها أو شريكاً فيها، وبخاصة إذا ما خالفت قواعد الاختصاص التشريعي المسند بالقانون الأساسي، وإعلان الاستقلال، ومنظومة المبادئ الدستورية للدولة الديمقراطية الحديثة المتعارف والمتفق عليها دولياً، نرى بأن الجديد الوحيد الذي ورد في المشروع هو استبدال مصطلح السلطة الوطنية أينما ورد في قانون المحكمة الدستورية العليا رقم (3) لسنة 2006 الساري بمصطلح دولة فلسطين، واستبدال مصطلح رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية بمصطلح رئيس دولة فلسطين، وبرأينا إن هذا الأمر سياسي بامتياز، وسيادي بامتياز، وتم تحقيقه حكماً بالإعتراف الدولي بدولة فلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة، وهذا شأن تطبيقي تنفيذي، وما ورد في التشريعات الفلسطينية على خلافه بات ملغاً حكماً، وبالتالي فلا داع لتسويق التعديل أمام السيد الرئيس، وحكومتكم الموقرة، وكأنه حقق لفلسطين ما يتجاوز ما حققته لها الجمعية العامة للأمم المتحدة!
وأبرز التعديلات المثيرة للاهتمام والجدل، والمعبرة عن الهدف الرئيس للمقترح هو ما ورد في المادة الثامنة من المشروع، والتي تعدل المادة 13 من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم (3) لسنة 2006 الساري والتي تنص على (يتقاضى رئيس وأعضاء المحكمة الرواتب والعلاوات والبدلات المحددة لرئيس وأعضاء المحكمة العليا وفقاً لأحكام قانون السلطة القضائية) ليصبح (أ. يتقاضى رئيس وأعضاء المحكمة الراتب والعلاوات والبدلات وفقاً للجدول الملحق في هذا القرار بقانون.
ب. يضاف إلى الرواتب المحددة في الجدول الملحق في هذا القرار بقانون ما يأتي: 1. القضاة وأساتذة الجامعات والمحامين: الفترة التي أمضوها في شغل مناصبهم بما لا يتجاوز 20 سنة دون الإجحاف بأية حقوق سابقة. 2. يستحق رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا الامتيازات المقررة للوزراء (أو يمكن الاستعاضة عن ذلك بأن يكون نص هذه الفقرة 2 يُصدر مجلس الوزراء نظام يحدد الامتيازات والبدلات لرئيس وأعضاء المحكمة).
ولم يكتف المشروع بذلك بل نص في مادته التاسعة على تعديل الفقرة 2 من المادة 14 من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم (3) لسنة 2006 الساري المفعول والتي تنص على: (يسوى الراتب التقاعدي أو مكافأة العضو وفقاً لأحكام قانون التقاعد العام) واستبدلها بـــــ (يستحق قضاة المحكمة حال تقاعدهم راتباً تقاعدياً بواقع 20% عن كل سنة قضاها في الخدمة (طبعا لا ننسى أن هناك 20 سنة محسوبة ابتداءً) بما لا يقل عن 50% ولا يزيد عن 80% من الراتب الاجمالي، وبما لا يجحف بحقوق القضاة السابقين).
وسنداً لهذين النصين الناطقين بما فيهما، فإن رئيس وأعضاء المحكمة سيتمتعون برواتب وامتيازات مالية، بحيث يجمعوا المجد من كل اطرافه، وبحيث يعلو إجمالي ما سيتقاضوه لو قدر لهذا القرار بقانون أن يرى النور، ما يتقاضاه أياً من الموظفين العامين، بصرف النظر عن مواقعهم وأدوارهم وصلاحياتهم!
اللافت للانتباه أيضاً ما ورد في المادة 11 من المشروع والمعدلة للمادة 21 من قانون المحكمة الدستورية العليا الساري المفعول والتي تنص: (1. تنتهي خدمة عضو المحكمة في أي من الحالات الآتية: أ. بلوغه سن السبعين من عمره. ب. الاستقالة. ج. فقدان الأهلية. د. العجز لأي سبب من الأسباب عن أداء الوظيفة. ه. الوفاة. و. الإحالة للتقاعد. ز. فقدان الجنسية، 2. يصدر قرار إنهاء الخدمة من رئيس السلطة الوطنية بناءً على طلب من الجمعية العامة للمحكمة) واستبداله بالنص على (1. تنتهي خدمة عضو المحكمة في أي من الحالات التالية: أ. إحالته للتقاعد بانتهاء فترة الست سنوات المحددة في هذا القرار بقانون (بموجب تعديل المادة 2 من قانون المحكمة الدستورية العليا الساري المفعول، والمتضمن مدة عمل رئيس وأعضاء المحكمة 6 سنوات غير قابلة للتجديد، مع مراعاة تعيين 3 أعضاء في المحكمة كل سنتين من تاريخ تعيين أعضائها المعينين عند إنفاذ أحكام قانون المحكمة الدستورية العليا الساري) ب. الاستقالة. ج. فقدان الأهلية. د. العجز لأي سبب من الأسباب عن أداء وظيفته. ه. الوفاة. ح. إذا أُدين بجريمة مخلة بالشرف أو الأمانة بحكم قطعي ولو رد إليه اعتباره. 2. في حال توافر أي من الحالات المنصوص عليها في الفقرتين أ، ب من الفقرة 1، يتم إنهاء خدمة عضو المحكمة تلقائياً بقرار يصدر من رئيس الدولة. 3. في حال توافر أي من الحالات المنصوص عليها في الفقرة ج، د، ه من الفقرة 1 يتم إنهاء خدمة عضو المحكمة تلقائياً بقرار يصدر من رئيس الدولة بناءً على تنسيب من الجمعية العامة).
ويلاحظ في هذا التعديل إلغاء بلوغ سن ال 70 كسبب من أسباب إنتهاء خدمة رئيس أو عضو المحكمة الدستورية، مع أن الاتجاه الدولي يقضي بإحالة أي قاضٍ على التقاعد وإنتهاء خدمته إذا ما بلغ سن الخامسة والستين، والتعديلات المقترحة لا تعير للسن اعتباراً على خلاف الإتجاه الغالب دولياً.
وكذلك خلا النص من فقدان الجنسية كسبب من أسباب خدمة رئيس أو عضو المحكمة الدستورية العليا، مع أن الإتجاه الدولي الغالب يعتبر المحكمة الدستورية العليا أحد تعبيرات السيادة الوطنية، وبالتالي فإن فقدان الجنسية سبب موجب لانتهاء الخدمة، بل إن إزدواج الجنسية سبب مانع من تولي وظيفة رئاسة المحكمة الدستورية أو عضويتها، على اعتبار أنها تعبير عن السيادة الوطنية والأمن القومي لأية دولة.
ويلاحظ أيضاً أن المشروع لم يُشر إلى اجراءات إنتهاء العضوية في حال إدانة عضو المحكمة الدستورية أو رئيسها بجريمة مخلة بالشرف أو الأمانة بحكم قطعي ولو رُد إليه اعتباره، ناهيك عن التناقض الوارد في الفقرتين 2،3 من النص المقترح إذ تضمنتا أن توافر أي من حالات إنتهاء الخدمة، يوجب إنهاء الخدمة تلقائياً وفي ذات الوقت اشترط النص صدور قرار من رئيس الدولة بذلك، مع أن الإنتهاء الوجوبي يقع بقوة القانون وينفذ فوراً دون الحاجة لاصدار قرار إداري بهذا الشأن، لا من رئيس الدولة ولا من سواه، فمثل هذا القرار لا يعدو قراراً كاشفاً وليس منشئاً، ويعتبر رئيس المحكمة أو عضوها المتوافرة بحقه أي حالة من حالات إنتهاء الخدمة فاقداً لها وجوباً بمجرد توافر تلك الحالة أو السبب المؤدي لانتهاء خدمته، دون حاجة لاصدار أي قرار إداري، ودون الحاجة لأي تنسيب من الجمعية العامة للمحكمة الدستورية، بل وحتى دون الحاجة لاصدار حكم قضائي بذلك، فقوة القانون هي الملزمة لانتهاء العضوية والمنفذة لها.
والغريب بل والمستهجن، ما ورد في نص المادة 12 من المشروع، والمستبدلة لنص المادة 22 من قانون المحكمة الدستورية العليا الساري والذي ينص: (لايترتب على إنتهاء خدمة عضو المحكمة لأي سبب سقوط حقه في الراتب التقاعدي أو المكافأة) - علماً بأن القانون الساري لم يورد حالة إدانة رئيس أو عضو المحكمة بجريمة مخلة بالشرف أو الأمانة بحكم قطعي ولو رُد إليه اعتباره كسبب لانتهاء خدمته مُرجعاً ذلك للقواعد العامة- واستبداله بالنص على (لايترتب على انتهاء خدمة عضو المحكمة لأي سبب سقوط حقه في الراتب التقاعدي) مع إيراد إدانة رئيس المحكمة أو عضوها بجريمة مخلة بالشرف أو الأمانة بحكم قطعي كسبب من أسباب انتهاء خدمته.
ولعل في ايراد هذا النص ما يجعل من دولة فلسطين تنفرد دون سواها في مكافأة من يدان بجريمة مخلة بالشرف أو الأمانة بحكم قطعي، والذي يوصف آنذاك بالمجرم، وفقاً لما ورد في قانون الاجراءات الجزائية الساري المفعول، إذ تُبقي له الحق في الراتب التقاعدي حتى بعد ثبوت ارتكابه لجريمته!!
ويُشار إلى المادة 14 من مشروع القرار بقانون المعدل لقانون المحكمة الدستورية العليا والذي تضمن تعديل الفقرتين 2،3 من المادة 24 من القانون الساري، واللتان تنصان على (2- تفسير نصوص القانون الأساسي والقوانين في حال التنازع حول حقوق السلطات الثلاث وواجباتها واختصاصاتها. 3- الفصل في تنازع الاختصاص بين الجهات القضائية وبين الجهات الإدارية ذات الاختصاص القضائي)، ليصبح (2- تفسير نصوص القانون الأساسي والتشريعات. 3- تفسير نصوص القوانين والقرارات بقوانين واللوائح والأنظمة، وذلك إذا أثارت خلافاً في التطبيق وكان لها من الأهمية ما يقتضي تفسيره).
ويتضح من هذا التعديل أن مُقترِحُه خَوّل المحكمة صلاحية وسلطة تفسير نصوص القانون الأساسي والتشريعات على إطلاقها في أي وقت، ودون أي ضابط، ودون توفر أي شرط أو حالة تقتضي ذلك، ما قد يُفهم منه أن المحكمة ستقوم بذلك في أي وقت وعند الطلب، دون الالتفات إلى الشروط والاجراءات والمتطلبات القانونية اللازمة لذلك! كما يلاحظ تناقض نص الفقرة الثانية المقترحة مع نص الفقرة الثالثة المقترحة والتي قيدت تفسير نصوص القوانين والقرارات بقوانين واللوائح والأنظمة في حال أثارت خلافاً في التطبيق.
والسؤال: هل ما ورد في هذا النص يخرج عن كونه تشريعات؟! وإذا كان الأمر كذلك فلماذا نص على التشريعات في الفقرة الثانية منه؟! أم أن المقصود هو وضع التشريعات الواردة حصراً في الفقرة الثالثة من النص المقترح في ذات المستوى، والقيمة التشريعية من الزاوية الدستورية، إذ أن القوانين وفقا للمراتبية الدستورية تعلو القرارات بقوانين واللوائح والأنظمة، وفي هذا النص المقترح تم اعتبار القوانين في ذات المرتبة التشريعية والدستورية مع القرارات بقوانين ومع اللوائح والأنظمة! مع أن المقترح في مادته الخامسة عشرة خلا من ذكر القرارات بقوانين في تعديله للفقرة الأولى من المادة 25 من قانون المحكمة الدستورية العليا الساري والتي تنص على (1- يكون للمحكمة في سبيل القيام بالاختصاصات المنصوص عليها في المادة 24 ممارسة كل الصلاحيات في النظر، والحكم بعدم دستورية أي تشريع أو عمل مخالف للدستور كلياً أو جزئياً) واستبداله بالنص على (يكون للمحكمة في سبيل القيام بالاختصاصات المنصوص عليها في المادة 24 ممارسة كافة الصلاحيات في النظر والحكم بعدم دستورية أي نص في قانون أو لائحة أو نظام "فقط، لم يذكر قرار بقانون" يعرض لها بمناسبة ممارسة اختصاصاتها ويتصل بالنزاع المطروح عليها وذلك بعد اتباع الاجراءات المقرررة لتحضير الدعاوى الدستورية).
وبموجب هذا النص، شل المقترح يد المحكمة عن النظر بعدم دستورية أي نص يرد في قرار بقانون، حتى لو اتصل بالنزاع المطروح عليها، ما يجعل القرارات بقوانين في هذا السياق محصنة، إذ يُمتنع على المحكمة ممارسة صلاحياتها في النظر والحكم بعدم دستورية أي نص يرد في قرار بقانون يعرض لها بمناسبة ممارسة اختصاصاتها، وهذا ما ينطوي على تحصين في هذا السياق للقرارات بقوانين حصانة لم تمنح للقانون الأساسي نفسه!
وساوت المادة 16 من مشروع القرار بقانون في الميعاد المقرر للطعن بعدم الدستورية، وذاك المقرر للطعن في القرارات الادارية، وذلك بتعديلها للفقرتين 3 و 4 من المادة 27 من قانون المحكمة الدستورية الساري واللتان تنصان على (3- إذا دفع الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي بعدم دستورية نص في قانون أو مرسوم أو لائحة أو نظام أو قرار ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعاداً لا يجاوز 90 يوماً لرفع دعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد اعتُبر الدفع كأن لم يكن، 4. إذا كانت المحكمة تناقش نزاعاً معروضاً عليها وأثناء السير في النزاع تبين للمحكمة أن هناك نص غير دستوري متصل في النزاع فلها من تلقاء نفسها أن تتصدى بأن تفصل في عدم دستوريته بشرط أن يكون ذلك النص متصلاً فعلاً بالمنازعة المطروحة أمامها حسب الأصول) واستبدلتهما بالنص (3- إذا دفع الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي بعدم دستورية نص في قانون أو نظام "فقط" ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعاداً لا يتجاوز 60 يوماً لرفع دعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد المذكور اعتُبر الدفع كأن لم يكن، 4. إذا كانت المحكمة الدستورية تناقش نزاعاً معروضاً عليها وأثناء السير في النزاع تبين للمحكمة أن هناك نص غير دستوري متصل في النزاع فعليها من تلقاء نفسها بأن تفصل في عدم دستوريته بشرط أن يكون ذلك النص متصلاً فعلاً بالدعوى المطروحة أمامها حسب الأصول).
ويتضح من هذا التعديل خفض مدة الميعاد الممنوح لمقدم الدفع لرفع الدعوى الدستورية (ميعاد سقوط من 90 يوماً إلى 60 يوما)ً، "وهو ذات الموعد الممنوح للطعن في القرارات الادارية" إضافةً إلى ما تضمنه هذا النص من تعديلات ينطبق عليها ما ينطبق على تعديل الفقرة الأولى من المادة 25 من القانون الأصلي الساري، وفقاً للمادة 15 من المشروع المقترح، والمبين أعلاه، كما يتضح أن التعديل الوارد على الفقرة الرابعة جعل من تصدي المحكمة الدستورية للفصل في دستورية نص متصل بالدعوى المطروحة أمامها وجوبياً بدل أن كان جوازياً.
ولعل أخطر ما في المشروع المقترح هو ما ورد في المادة 17 منه، والمعدلة للفقرة 1 من المادة 30 من قانون المحكمة الدستورية الساري، والناظم لطلبات التفسير والذي ينص (1- يقدم طلب التفسير من وزير العدل بناءً على طلب رئيس السلطة الوطنية أو رئيس مجلس الوزراء أو رئيس المجلس التشريعي أو رئيس مجلس القضاء الأعلى أو ممن انتهكت حقوقه الدستورية) واستبداله بالنص (1- يقدم طلب التفسير من وزير العدل بناءً على طلب رئيس الدولة، أو رئيس مجلس الوزراء، أو رئيس المجلس التشريعي، أو رئيس مجلس القضاء الأعلى).
وبهذا التعديل حرم من انتهكت حقوقه الدستورية من التقدم إلى معالي وزير العدل طالباً تقدم الوزير بطلب التفسير، أوليس في هذا التعديل انتهاك للقانون الأساسي؟! وبخاصة الباب الثاني منه، المتصل والضامن للحقوق والحريات الآدمية والدستورية للمواطنين.
وكذلك الحال حُرم المدعي الذي يثبت إعساره من حقه في تعيين محام لتمثيله في الطعن الدستوري من قبل المحكمة، وذلك وفقاً لما تضمنته المادة 18 من المشروع المقترح والتي عدلت المادة 31 من قانون المحكمة الدستورية الساري والتي تنص على (لا يجوز مباشرة الاجراءات أمام المحكمة إلا بواسطة ممثل عن هيئة قضايا الدولة، أو بواسطة محام لا تقل خبرته بالمحاماة عن عشر سنوات متصلة، ويعين رئيس المحكمة محامياً للمدعي الذي يثبت إعساره) واستبدلته بالنص على (لا يجوز مباشرة الاجراءات أمام المحكمة إلا بواسطة النائب العام أو أحد مساعديه، ومن باقي الخصوم بواسطة محام لا تقل مدة خبرته وممارسته لمهنة المحاماة عن عشرة سنين متصلة).
أوليس في هذا المقترح انتهاك إضافي لحقوق المواطن الدستورية والآدمية؟! لاعتبار اقتصادي صرف، وفي دعوى تسمو في أهميتها كافة أشكال وأنواع الدعاوى بالنظر لحجية الأحكام الصادرة فيها المطلقة على الكافة، ولصلتها المباشرة في ضمان دستورية التشريعات وبنية الدولة القانونية، مع أن التشريعات الفلسطينية العادية تضمن للمتهم المعسر في الدعاوى الجزائية الحق في قيام المحكمة المختصة بتوكيل محام له للدفاع عنه في الجناية المسندة إليه.
والطريف أن المشروع المقترح اكتفى بوجوب نشر قرارات المحكمة في الجريدة الرسمية، دون ضرورة لنشر نظام المحكمة الداخلي واللوائح الصادرة بمقتضى أحكام قانون المحكمة الدستورية العليا، وهذا يتضح من صريح نص المادة 25 من المشروع المقترح والمعدلة للمادة 53 من قانون المحكمة الدستورية العليا الساري والذي ينص على (تنشر قرارات المحكمة ونظامها الداخلي واللوائح الصادرة بمقتضى أحكام هذا القانون في الجريدة الرسمية وبغير مصروفات خلال خمسة عشر يوماً على الأكثر من تاريخ صدورها) حيث استبدل هذا النص بالنص على (تنشر قرارات المحكمة الصادرة بمقتضى أحكام هذا القانون في الجريدة الرسمية وبغير مصروفات خلال ثلاثين يوماً على الأكثر من تاريخ صدورها).
ألا يتناقض التعديل المقترح مع مبدأ الحق في الحصول على المعلومات؟! ومبدأ اعتبار النشر جزءاً لا يتجزأ من العملية التشريعية؟! وكذا ألا يثير مثل هذا التعديل التساؤل المشروع حول مبررات إسقاط وجوب نشر النظام الداخلي للمحكمة الدستورية العليا؟! ووجوب نشر اللوائح الصادرة بمقتضى قانون المحكمة الدستورية العليا؟! وكذا أوليس في استبدال مدة النشر من خمسة عشرة يوماً على الأكثر إلى مدة ثلاثين يوماً على الأكثر ما يطيل من أمد النشر ويؤثر سلباً على ما يترتب عليه من نتائج وآثار قانونية وعامة؟!
بقي أن نُشير إلى ما قد يحمله نص المادة 27 من المشروع المقترح من إلغاء ضمني للمواد التي لم يطالها التعديل في قانون المحكمة الدستورية العليا الساري، والذي يقع في 55 مادة، إذ ورد في نص المادة 27 من المشروع المقترح (على الجهات المختصة كافة –كل فيما يخصه- تنفيذ أحكام هذا القانون ويعمل به بعد ثلاثين يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية) وهو ذات النص الوارد في المادة 55 من القانون الساري!
دولة رئيس الوزراء المحترم،
إننا في المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء "مساواة" وسنداً لما بيناه تفصيلاً أعلاه، نأمل من دولتكم وحكومتكم الموقرة طرح مشروع قرار بقانون معدل لقانون المحكمة الدستورية العليا جانباً، وعدم الالتفات إليه، وإسقاطه من جدول أعمال حكومتكم الموقرة المتصلة بمشاريع القوانين والأنظمة واللوائح التنفيذية، وعدم المُضي في إجراءات اقراره، وذلك بعد التكرم بالوقوف على ماورد في مذكرتنا بإمعان وجدية، ووفقاً للأصول المرعية، والتي تؤكد بأن المشروع تجاوز الأحكام والمبادئ الدستورية في غايته ونصوصه، والتي تنطوي على مساس جدي بأسس دولة القانون، وتتعارض تعارضاً لافتاً واضحاً مع نصوص الاتفاقيات الدولية المنضمة إليها دولة فلسطين، والملزمة لها، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ووتعارض مع بل وتمس بما تضمنه القانون الأساسي وإعلان الاستقلال من أحكام ومبادئ وحقوق.
مع الاحترام،،
تحريراً في 13/3/2017
"مساواة"
رئيس مجلس الإدارة
المحامي ياسر جبر
- نسخة الى معالي المستشار القانوني لفخامة الرئيس الوزير حسن العوري المحترم